مسيرات يوم “الجمعة العظيمة” قد تكون آخر فرصة فلا تستهينوا بإرادة وعزيمة الشباب الجزائري

فوزي حساينية كاتب جزائري

ما الذي تقوله المسيرات الوطنية العظيمة للشعب الجزائري في يوم “الجمعة العظيمة” التي تابعها العالم كله يوم 22فيفري 2019بعد صلاة الجمعة ؟ إنها تقول وتُعبر بكل تأكيد عن أمور كثيرة،سنتعرض لها في مقالات قادمة بإذن الله،لكن ما يجب الوقوف عنده هنا وفورا هو أن هذه المسيرات الوطنية المجيدة قد كشفت بوضوح أن الفرصة متاحة الآن، ولكنها قد تكون آخر فرصة، للنزول عند إرادة الشعب الجزائري، وذلك بتنظيم انتخابات رئاسية ديمقراطية ينتخب من خلالها الجزائريون رئيسا جديدا للجمهورية الجزائرية، فالشباب الجزائري يطالب بإحداث تحولات حقيقية في المشهد السياسي الوطني، وقد عبَّر عن ذلك بوضوح ووعي عظيم يتفوق على كل ما تدعيه (الأحزاب السياسية) من خبرة ووطنية، وفهم للعمل والحياة السياسية….الفرصة متاحة الآن، ولكنها على الأرجح آخر فرصة ،وقد بات واضحا الآن أن الأحزاب السياسية في الجزائر لا تمثل شيئا إنها مجرد مقاولات وشركات تجارية، بعضها يستخدم ويتاجر بعلامة ” الوطنية والتاريخ ” وبعضها يستخدم ويتاجر بعلامة ” الدين أو علامة بعض الجماعات ” وبعضها يستخدم ويتاجربـ” العلمانية وشعاراتها ” وبعضها الآخر صار متخصصا في ” عبادة الأشخاص، وتزوير أفكار ومشيئة الشعب “. ولكن كل زعماء الأحزاب- الذين هم بلا مشروع سياسي أصلا- هؤلاء يعيشون في بحبوبة ويتمتعون بكل الامتيازات لهم ولأقاربهم، مقابل قيامهم بتمثيل دور المعارضة التي لا تعارض إلا في الأمور التافهة وغير المهمة، معارضة جلها متواطئ مع الفساد والفاسدين، ليبقى الشباب الجزائري ضحية بيروقراطية متغولة ومستكبرة، معزولة عن هموم الشعب وتحتقر طموحاته وألامه،وتتعمد استفزازه الدائم بالحديث غير المنتهي عن المنجزات، ولاتكاد تعرف شيئا عن واقع الشباب وما يتطلعون إليه…..كل الأحزاب الجزائرية اليوم سقطت، ولم يبق إلا الأصل، أي الشعب الجزائري، وخاصة الشباب الجزائري الذي يبحث عن زعامة جديدة تفهم همومه وأحزانه وتطلعاته وآماله، وتوفر له المحيط الذي يسمح له بخدمة وطنه ، وبناء مستقبله، بعيدا عن البيروقراطية، والتمثيل الزائف، وبمنأى عن هيمنة البرجوازية المتوحشة التي توشك أن تأكل الجزائر، وتحطم مستقبل الملايين…إنها آخر فرصة، هكذا تكلم الجزائريون بصوت واحد ومسموع في إعلان رفضهم للاستمرارية المزعومة التي أصبح رفضها بمثابة القضية للغالبية الساحقة من الجزائريين رغم كل التضليل والكذب الذي تمارسه الأحزاب السياسية والتي تحولت في معظمها إلى مقاولات عائلية تستثمر في أمال الناس وآلامهم دون رادع من ضمير أو أخلاق مدنية أو قانون، إن الجزائريين أعلنوا رفضهم للعهدة الخامسة لأنهم يعرفون عن خبرة ويقين أنها تعني أول ماتعنيه استمرار نفس الوجوه والأشخاص والممارسات،وما سينجم عن ذلك من اعتداء على سيادة الشعب ومصيره ومستقبل الأجيال القادمة التي تريد أن ترى جزائر متحررة من الفساد،ومن الاحتكار،ومن أبوية سياسية لم تعد تمثل إلا الإدعاء والأوهام وسد الطريق إلى المستقبل،وفرض أنماط من التسيير يرفضها الجزائريون ويشعرون أنها مفروضة عليهم وتخدم أجندات ضد مصالحهم وطموحاتهم ومستقبل أبنائهم ورسالة شهداء نوفمبر

والحقيقة أن المسيرات الأخيرة التي عمَّت أرجاء الجزائر شرقا وغربا، شمالا وجنوبا كانت رسالة سلمية قوية وواضحة وحضارية موجهة بنوع خاص للذين أعماهم طول بقائهم في السلطة، وأغراهم غياب مؤسسات تسألهم وتحاسبهم عما يفعلون وعما يقولون باسم الشعب الذي لا يستطيعون أن يلتقوا به إلا في القاعات المكيفة والحشود المُسخَّرة، أين يُلقون خطاباتهم التافهة، ويرددون شعاراتهم الممقوتة التي لا يملكون غيرها، نعم أغراهم ذلك كله بأن ينسوا أن هناك سيادة شعبية وأنه لا شئ يعلو على إرادة الشعب الذي هو مصدر كل السلطات، والواقع أن دعاة العهدة الخامسة يملكون المال الكثير، ويملكون السلطة الواسعة، ولكنهم لا يملكون أغلى وأثمن شئ وهو ثقة الشعب وخاصة فئآته الشابة المهمشة التي لاتعرف مع من تتكلم عن همومها، ولا إلى من تتحدث عن طموحاتها وقدراتها، فالبيروقراطية المُتغولة المستكبرة ليس لديها لا الوقت ولا الجهد ولا الاستعداد لتتكلم معهم أو تصغي إليهم، ومهما يكن فقد قال الجزائريون كلمتهم التي يمكن أن نلخصها كما يلي:
ـ أولا: لا القانون، ولا العقل، ولا المصلحة العامة، يمكنها أن تبرر الدعوة إلى عهدة “خامسة ” كما أن الكثير من الجزائريين يبحثون عن التغيير، وباختصار فالعهدة الخامسة ضد إرادة ورغبة الغالبية الساحقة من الجزائريين، والإصرار على فرض عهدة خامسة معناه الإصرار على احتقار وإلغاء وجود الشعب الجزائري، وهو ما لايمكن أن يقبله الجزائريون أو يسكتوا عليه،خاصة مع الاستفزازات المتكررة والمُتعَمَدة من بارونات الفساد السياسي والإعلامي، الذين زلزلت الانتفاضة الشعبية السلمية الوطنية عروش مصالحهم وأطماعهم
ـ ثانيا: يقول الشباب أن دعاة العهدة الخامسة يريدون “الخامسة ” ولو على جثة الشعب والوطن!؟ ثم يزعمون أنهم يفعلون ذلك من أجل الشعب والوطن!؟إنها السياسة عندما تتحول إلى عفن،ولكن الجزائريين قد قالوا كلمتهم وعلى الذين حولوا العمل السياسي إلى عفن أن يفهموا أن المسرحية قد انتهت، وأن الستار قد أُسدل، ثم بعد ذلك تم تمزيقه حتى لا يُرفع مرة أخرى.
ـ ثالثا: لقد كانت رسالة الشباب الجزائري إلى من يهمهم الأمر رسالة سياسية لاغبار عليها مفادها أننا لا نريدكم ولا نخشاكم ونحن قادرون على أن نتحداكم، ولكننا نخاف على الوطن لأننا نحبه،ولأن الجزائر الحبيبة في قلوبنا وليست في جيوبنا، إننا نريد أن تُدار شؤون الدولة الجزائرية بطريقة غير الطريقة الحالية، وبأشخاص غير الأشخاص الحاليين، ولأهداف غير أهداف الأشخاص الحاليين.
ـ رابعا: لقد أعرب الشباب الجزائري عن احترامهم وتقديرهم للجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، ولرجال الأمن الوطني،وإن كان البعض منهم قد تساءل عن سر غياب رجال الحماية المدنية، الذين يحمل لهم الجزائريون تقديرا واحتراما كبيرين.

ومها يكن، فقد رفع الشباب الجزائري في مسيرات يوم “الجمعة العظيمة” العديد من الشعارات التي عبروا فيها عن رفضهم الصريح والمطلق للعهدة الخامسة، وكذا رفضهم المطلق والصريح لمن زعموا من بعض ديناصورات ومافيا الأحزاب السياسية الخردة أنهم يتحدثون باسم الشعب الجزائري.
لكن الشعب الجزائري اليوم وبعد أن تحدث بنفسه عن نفسه ودون وساطة أو نيابة مزيفة يطالب بالنزول عند إرادته في اختيار رئيس جديد للبلاد ليشرع أولا في الحد من ظاهرة الارتباط بين السلطة والمال التي توشك أن تدمر الجزائر بما وبمن فيها، وليقوم ثانيا، بإعادة بناء شرعية المؤسسات الدستورية التمثيلية مثل المجلس الدستوري والبرلمان والمجالس الشعبية البلدية والولائية، والتي تحولت بحق إلى أوكار للفساد والكذب وتزييف واغتصاب إرادة الشعب ودكاكين للمكاسب الشخصية غير المشروعة، ونهب أموال الجزائريين تحت شعار الاستثمار، وليتمكن العمال الجزائريون من استعادة إتحادهم المُصادر منهم منذ سنوات طويلة، وكذا ليتم إحياء مجلس المحاسبة المجمد منذ عقود، وثالثا لكي تُسند المسؤوليات لأشخاص جدد يتوفرن على ثقافة الدولة وليس على ثقافة التملق والتزلف والولاء المُتخَّمِ بالرياء والنفاق والمال الحرام، وباختصار ليقوم الرئيس الجديد بوقف التدهور الحاصل، وليشرع في اتخاذ ما يلزم لمرحلة ما بعد “البوتفليقية” التي انتهت بقوة القانون، وبإرادة الشعب التي عبر عنها في يوم “الجمعة العظيمة” 22 فيفري 2019. لقد قال الشعب الجزائري ،وخاصة أجياله الجديدة الشابة، كلمته، فما الذي يمكن قوله بعد ذلك؟ جفَّتِ الأقلام وطُوِيتْ الصحف،ولكننا سنعود بأقلامٍ وأوراقٍ جديدة

فوزي حساينية
كاتب جزائري

  • 9
    Partages

La Rédaction

Article Précédent

Le vendredi de la rupture

Article Suivant

Entretien de Ali Ghediri sur la chaîne russe RT

Rédiger un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *